:    
  • اخر الاخبار

    (سارة سعيد) الحياة بطعم الموت؟! قصة قصيرة




    ولدت في ظل عائلة ميسورة تعيش حالات الاستقرار المادي والعائلي وظهرت الى الحياة في صيف 1985 لاب يعمل تاجراً بسيطاً يدعى سعيد جبار من سكنة محافظة البصرة جنوب العراق , سارة المولودة الجميلة التي سماها والدها بهذا الاسم كونها ولدت لتجلب له الحظ والربح بتجارة كان يعمل بها , ففرحت العائلة التي تكونت من الاب والام والاخت عبير هي الأكبر بعامين لسارة الصغيرة.
    عاشت سارة واختها عبير في ظل رعاية ابوية حنونة سعيدة بين الاب والام   لا تفارق البسمة شفاهها وكان فرحها أكثر عندما دخلت المدرسة مع اختها الأكبر لتلقي العلم، وكانت سارة فرحه جداً لأنها تذهب برفقة اختها الى المدرسة الابتدائية التي سجلت فيها.
    لكن سرعان ما تحول الفرح الى حزنُ دائم بفقد سارة لامها التي أصيبت بمرض خبيث لم يمهلها طويلاً ففارقت الحياة لتترك عبير وسارة وابوهما لقدر مجهول وحياة بائسة إثر فقد الام، وبعد ذلك الفرح الذي كان يغمر العائلة تحول البيت الى مكان اشباح لا يكاد تفارق حيطانه وزواياه صور الام وصوتها الذي كان يملئ الدار حباً وحيوية. وتحولت حياة سارة التي كانت تبلغ من العمر آنذاك 7 سنوات بينما كانت عبير وهي الأخت الأكبر 9 سنوات من حياة طفولة بريئة مرحه مملوءة حباً وحنان الى حياة طفلة منطوية كرهت حتى المدرسة فيها فاضطرت لترك الدراسة هي واختها لأنها أصبحت لا تقوى على فراق أمها التي كانت ترعاهما وتحتضنهما، وفضلت العيش في حضن والدها الذي هو الاخر فارقت شفاه البسمة حزناً على حبيبته ام عبير.
    اشتدت الأمور ضراوة وأصبح الاب لا يقوى على تربية فلذة كبده وعجز عن التنسيق بين عمله في التجارة واحتضان البنات والتربية فطرح فكرة ان يتزوج من أمرأه لتكون عوناً له في تربية البنات ومساعدتهن وعودتهن للدراسة الا ان سار وعبير رفضا الفكرة من أساسها لانهما وجدا صعوبة بتقبل امرات تحل محل الام الفقيدة رضخ سعيد لرغبة حبيباته وامتثل لهما رافضاً الزواج من امرأة أخرى رغم حاجته الماسة لذلك فأصبح هو الاب والام والاخ لهما ليعتني بهما ويعمل من اجل اسعادهما حتى بلغا سن الرشد.
    كبرت عبير وأصبحت شابة يافعة تعتني بأختها وابوها وتعمل على ان تكون ربة بيت صالحة واخذت دور الام برعاية سارة لتكون هي الأخت والصديقة لها وكانا يعيشان أجواء مظلمة في دنيا اثقلت كاهل الاب بالمعيشة الضنكة نتيجة ظروف اقتصادية تدهورت فيما بعد, وكان الاب يملك داراً ربحها من عمله في التجارة عاش فيه مع الابنتين .
    وفي يوم تقدم شاب لخطبة عبير بعد ان كبرت وأصبحت مؤهلة للزواج فوافق الاب فرحاً ان ابنته سوف تستقر في بيت زوجها لتكون عائلة ويطمئن عليها وتزوجت عبير من ذلك الشاب لتبدأ حياة جديدة مع رجل كانت تحمل ان يكون هو دار استقرارها , وبعد عام من زواج عبير تقدم شاب من محافظة كربلاء يدعى سالم  لخطبة سارة فلم يجد الاب غير الموافقة ليكمل مسيرتهُ بعد استقرار بناته في بيوت ازواجهن.
    خلت الدار من الام وعبير وسارة وساءت ظروف العيش اكثر بسبب الأوضاع السياسية للبلد فلم يجد سعيد الذي اصبح يقبع بين اربع حيطان وحيداً منكوباً بفقد زوجته وفرحا بزواج بناته, فقرر ان ببيع الدار الخالية ويهاجر الى خارج البلاد ليبدأ حياة جديدة يستعيد فيها ما تبقى من شبابة وعمرة الذي قضاها حزيناً متعباً لكن القدر لم يسمح له بذلك فبعد ان باع الدار وتمت تصفية كل أموره فاجأته الدنيا بطلاق سارة من زوجها سالم الذي كان يقسي عليها كثيراً ولم يكتفي بذلك فقد خانها مع احد قريباته مما ثار حفيظة سارة وشعرت بالإهانة فاضطرت لطلب الطلاق لأنها لم تجد حلاً غيره. فلم تجد غير الاب الذي حلم بالكثير بعد زواج ابنتيه ملجأ لها فعادت وحيدة لأنها لم تنجب الأطفال من سالم الذي كان يرغب بذلك لكن سارة يبدو انها لا تنجب.
    ولم تكن عبير الأخت الأكبر هي الأخرى مستقرة في حياتها فكانت تعيش معاناة مع زوجها القاسي الذي كان يضربها بشده نتيجة تعاطيه الحبوب المخدرة وشرب الخمر فلجأت الى ابوها الذي اضطر عن التخلي لفكرة السفر والهجرة وشراء دار بسيطة في مناطق العشوائيات وشراء سيارة تاكسي يعمل عليها لتامين حياة الابنتين والثالثة التي هي طفلة صغيرة ابنة عبير. وعاشوا في تلك الدار المتواضعة والعمل الطويل المنهك لمقاومة ظروف العيش الصعبة.
    عادت عبير وابنتها لزوجها الذي تركها فترة بينما تقدم رجل أحب سارة وتعلق بها ليتزوجها فوافقت سارة على الفور لتخرج من حالة البؤس التي تعيشها بسبب طلاقها وظروفها المادية الا ان هذا الزواج لم يدم كون الزوج كان راغباً بأنجاب الأطفال التي عجزت سارة عن هذا الشيء الذي تأكد فيما بعد انها عاقر ولا تستطيع الانجاب فتزوج عليها من ثانية ولدت له طفلان فعانت سارة كثيراً نتيجة رفض الزوجة الثانية لسارة مما حدى بالزوج طردها من البيت رغم انها لازالت على ذمته, فلم تجد مأوى غير العودة لوالدها الذي انهكه المرض والعمل والوحدة القاتلة. وعادت سارة لبيت الاب محمله بالهموم والجراح ولم يدم ذلك طويلاً فمرض الاب ومعاناته لم تمهله طويلاً ليترك سارة وعبير ويلتحق بالأم تاركاً خلفة تركه ثقيلة تدعى (سارة), التي حزنت كثيراً لفقد والدها الذي كانت تنعم بضلة, وبعد انتهاء مراسم العزاء لم تجد سارة غير بيت عمها والد زوجها لتذهب الية لأنها غير قادرة على العيش لوحدها في بيت ايجار كان والدها يسكنه, ولم ترغب بالعيش مع اختها التي كانت تعاني كثيراً من مشاكل مع زوجها فذهبت وعاشت في بيت عمها الذي كان يعملها معاملة الخادمة. بل زاد في ذلك حتى تطاول عليها وبالتحرش الجنسي الذي كانت ترفضه بشده فتواجه بالضرب المبرح من قبل العم وزوجته وابن زوجته وكان يجبران سارة للخروج والعمل (شحاذه) لجلب المال لهم الذي كانوا ينفقونه على ملذاتهم الشخصية.والاهمال الكبير من قبل زوجها الذي غرق بالسعادة مع زوجته ونسى ما يحصل لزوجته سارة التي تخرج كل يوم تجوب الشوارع (شحاذه) لتوفر المال لمن عاشت معهم.
    عملت عبير الأخت الأكبر لسارة على زيارة اختها الصغيرة والسؤال عنها بين الحين والأخر وقررت ان تعمل لتستطيع تأمين مكان تعيش به مع اختها بعيداً عن زوجها الظالم لها وعن عائلة زوج سارة الذين يعاملونها بقسوة وبدأت عبير تطمئن سارة ان الخلاص من هذه المأساة قريباً سيكون وعملت عبير خادمة في احد بيوت العاصمة بغداد كان البيت يضم مجموعة من النساء اللواتي يعملن في الخفاء ليلاً حيث تذهب عبير لبيتها لتعود في الصباح للعمل في البيت على خدمة الموجودات من غسل ومسح وطبخ لهن ولم تعلم عبير ان هؤلاء يعملهن (بالدعارة) حتى فاجئت قوة امنية الدار واقتحمته وقتلت جميع الموجودات فيه بما فيهم عبير التي راحت ضحية ظلم وفقر زوجها لها فتركت ابنتها الصغيرة التي اضطر الجيران تسليمها الى دور الرعاية والحضانة.
    قلقلت سارة كثيراً على اختها التي فقدت الاتصال بها وفقدت زيارتها وهي لأتعلم مكان سكنها ولأتعلم ماذا جرى لها حتى سمعت بخبر مقتل اختها التي اعتبرت فيما بعد شهيدة نتيجة ظهور الفحوص الطبية وتقارير التشريح التي اثبتت طهارتها من تهمة الدعارة. حزنت سارة كثيرا وبكت فقد اختها وبحثت عن الطفلة لتذهب الى دار الرعاية وتتبناها وتأخذها للعيش معها لتبقى هي الذكرى الباقية من اختها عبير التي كانت بمثابة الام لها. وعادت بها الى بيت والد زوجها الذي تركها دون سؤال , أجبرت سارة على ان تحمل الطفلة للعمل معها في الشحاذة لان والد زوجها كان يجبرها على ذلك فعانت كثيراً حتى قررت الخروج والهروب من هذا السجن وهذا الرجل الجشع .واخذت سارة ابنة اختها ورحلت دون علم زوجها وابوه وزوجة ابوه لتبحث عن مأمن لها ولابنة اختها الصغيرة فجابت الشوارع تبحث عن مكان هادئ وأمن لها حتى التقت بالصدفة بشخص من اقاربها عرفها هو ولم تعرفه وبعد الحديث الطويل والدموع والبكاء الذي رافق حديث سارة وهي تشرح لقريبها معاناتها وما مرت به خلال تلك السنين من ظلم وحرمان وقسوة انهكتها كثيراً وعرضتها للضرب والاضطهاد والجوع والعطش , فهم قريب سارة ظروفها وحن قلبه لها لينتشلها من الضياع الذي عاشت فيه ليطلب منها ان تأتي للعيش مع عائلته لحين تدبر الامر, قبلت سارة العرض لأنها لم تجد افضل منه في ظل الغابة المليئة بالوحوش التي تحيط بها من كل جانب وقررت الذهاب معه الى بيته لتحس بالأمان مع أناس من رائحة أهلها الذين تركوها بيد قسوة الدنيا حتى تجد حلاً لمشكلتها  ولازالت سارة تعيش مأساة الموت بطعم الحياة.

    بقلم سندس الزبيدي
    10\اذار\2020