: انتحار مدير شركة دايو الكورية العاملة في بناء ميناء الفاو الكبير مساء أمس في ظروف غامضة    
  • اخر الاخبار

    رأي علي بن محمد الماوردي البصري ( ت 450 ه ) في مسألة الإمامة وفق كتابه (( الأحكام السلطانية ))


    بقلم : رحيم حلو محمد البهادلي
    لقد اختلف المسلمون على اختلاف توجهاتهم المذهبية في مسألة الإمامة ، إذ لم تتفق كلمتهم على صيغة معينة فالشيعة لهم رأيا فيها وأبناء العامة لهم رأيا مغايرا ، والجميع يعتمدون في إثباتها وتعريفها  وفقا لما جاء في القرآن الكريم والحديث والسنة النبوية الشريفة كلا حسب تفسيره واعتقاده ، أما الماوردي هنا فله رأيا بالإمامة يميل في جانب إلى فريق وفي جانب أخر يميل إلى فريق أخر ، وقبل التطرق إلى رأيه في الإمامة في كتابه (( الإحكام السلطانية والولايات الدينية )) لا بد من التنويه عن هويته ففي ذلك علاقة كبيرة فيما ذهب إليه في تلك المسألة ، فالماوردي هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب المعروف بالماوردي في الأوساط العلمية ، ولد الرجل في مدينة البصرة عام 364 هـ ، ونشأ في ربوع تلك المدينة العريقة في العلم والفكر والمعرفة ، وفي ظل جو سادت فيه كل أجواء العلم والمعرفة على اختلاف المذاهب الإسلامية في ظل الحكم البويهي للدولة الإسلامية ، وينتمي الماوردي إلى أبناء العامة إذ كان شافعي المذهب ، وكان الرجل قاضيا ، فقيها وحافظا للمذهب الشافعي ، أديبا ، مفسرا ، محدثا ، ثم سياسيا في ظل الحكومة البويهية على حد الإشارة ، بيد أننا لم نشهد له نشاطا سياسيا بارزا وربما أطلقت عليه تلك الصفة لتوليه القضاء في البصرة وبلدان أخرى كثيرة ثم انتهى فيه المطاف بان كان أقضى القضاة في بغداد ، وبالتالي فان من يتولى القضاء لا بد أن يرتبط إداريا ويحمل صفة السياسة للدولة آنذاك ، إذ كان الماوردي يتمتع بالمكانة المتميزة لدى الملوك البويهين وكان جليل القدر عند الدولة يومذاك . وتتلمذ الرجل على مجموعة من علماء عصره في البصرة وبغداد ومنهم الحسن بن علي الجبلي ، ومحمد بن عدي المنقري ، وجعفر بن محمد بن فضل وغيرهم ، وتفقه على يد الفقيه أبو القاسم الصميري في البصرة ودرس فيها سنينا كثيرة ، ثم انتقل إلى بغداد في عام 430 هـ فسكنها واستقر فيها ودرس فيها أيضا ، واخذ عنه الخطيب البغدادي وعده من الثقاة ، وقد ترك لنا الماوردي مجموعة من المؤلفات المتنوعة ولعل أبرزها كتاب الحاوي الكبير والذي كان يعنى بالتبحر ومعرفة المذهب الشافعي ، وكتاب النكت والعيون وهو مخطوط ، وكتاب أدب الدنيا والدين والكتاب مطبوع ومتداول حاليا ، وكتاب الأحكام السلطانية والتي تعني بالأمور الدينية والتشريعة وغيرها من المؤلفات الأخرى في الفقه والأصول والتفسير ، وتوفي الماوردي في بغداد عام 450 يوم الثلاثاء من شهر ربيع الأول عن عمر ناهز الستة وثمانون عاما .

    لقد طرح الماوردي أمورا كثيرة في كتابه الأحكام السلطانية بعضها يتعلق بالدين والأخر يتعلق بالاقتصاد الإسلامي وأخرى تتعلق بالدين والسياسة معا ، ونحن هنا بصدد الحديث عن مسألة الإمامة ، فقد طرح الماوردي الإمامة بمفهومين وهو يعتقد انه طرحها بمفهوم واحد ، فقد قال عن الإمامة ما نصه : " الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا ، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع وان شذ عنهم الأصم  " ، ثم استشهد بالآية الكريمة التي تقول : " يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منك " ، ثم قال : " ففرض علينا طاعة أولي الأمر فينا وهم الأئمة المأتمرون علينا " ، دون أن يبين من هم الأئمة المعنيين ، ومستشهدا أيضا بقول الرسول الكريم ( ص) بحديث نبوي مسند عن أبو هريرة : " سيليكم بعدي ولاة فيليكم البر ببره ، ويليكم الفاجر بفجوره ، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق ، فان أحسنوا فلكم ولهم وان أساءوا فلكم وعليهم " .
     
    ونجد الماوردي هنا يكيل بمكيالين فمن جهة يعترف بان الإمامة هي خلافة النبوة ومن جهة أخرى يجوز للفاجر ولاية الإمامة ، وفق نوه إليه في الآية الكريمة وما استشهد به من حديث للرسول الكريم ( ص) ، والأكثر من ذلك نجد الماوردي يورد شروطا عدة في من تقع فيه الإمامة ، منها العدالة والعلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام ، وسلامة الحواس من السمع والبصر وفصاحة اللسان وسلامة الأعضاء ، والذكاء المفرط والشجاعة والنجدة ، والنسب إذ لا بد أن يكون الإمام حصرا من قريش وغيرها الكثير . وعند العودة إلى مفهوم الإمامة عند الماوردي نجد أن المسألة كبيرة جدا ، فلا تقتصر الإمامة على الدين وإنما هي أمرا يجمع الدين والسياسة ، بمعنى أن الإمام يقضي بشؤون الدين وأمور السياسة العليا أي مسألة الخلافة ، لان الإمامة كما قلنا هي خلافة الرسول الكريم (ص) في كل صغيرة وكبيرة ، فمثلما كان النبي محمد (ص) خليفة الله في الأرض وهو المسئول عن إدارة شؤون الرعية من المسلمين باعتباره خاتم الأنبياء وهو مختارا من الله عز وجل ، فلا بد أيضا أن يكون الإمام هو خليفة الرسول (ص) في الأرض ويقوم بجميع المهام التي انيطت بالرسول (ص) ومختارا من قبل الرسول الكريم ( ص ) .

    وحين العودة إلى ما طرحه الماوردي عن مسألة الإمامة نجده بعيدا جدا عنها ، وليس له كل علاقة لا من قريب أو بعيد في مسألة الإمامة اللهم إلا من حيث التعريف والشروط ، فأما استشهاده بالآية في قوله تعالى : " يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ، فالمقصود هنا وفق ما ذهب إليه غالبية المفسرون أن الطاعة أولا للرسول الكريم (ص) أولا ، وثانيا للأوصياء وهم الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) ، فقد أورد العياشي أنها نزلت في الإمامين الحسن والحسين ( عليهم السلام ) ، وقيل أنها نزلت في الإمام علي ( عليه السلام ) ، أو أنها نزلت في الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) بشكلٍ عام ، وذلك استنادا إلى قول الرسول الكريم (ص) : " أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي إني سألت الله أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما على الحوض فأعطاني ذلك " ، ولو سكت النبي (ص) عن ذلك لادعى بها بقية بطون بني هاشم . أما حديث الرسول الكريم (ص) المنقول عن أبي هريرة : " " سيليكم بعدي ولاة فيليكم البر ببره ، ويليكم الفاجر بفجوره ، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق ، فان أحسنوا فلكم ولهم وان أساءوا فلكم وعليهم " . فالحديث هنا مطعون فيه من جهتين السند والمتن فكلاهما لا يصحان عن النبي (ص) ، فمن ناحية السند مطعون فيه بابي هريرة فالرجل مطعون فيه وقد جرحته كتب الجرح والتعديل ، ثم انه اتهم بأموال البحرين في ولايته عليها في عهد عمر بن الخطاب وعاقبه عمر على ذلك وعزله ، أما متن الحديث فذلك لا يتفق إطلاقا مع مفهوم الرسالة المحمدية الطاهرة التي جاء بها ، إذ كيف يأمر الرسول الكريم (ص) المسلمين بإتباع الأئمة الفاجرين حتى لو قالوا حقا أن كان لديهم جزءا من الحق ، فهل أن الإسلام جاء ليتأمر به الفسقة والفاجرين ، وهل أن الإسلام جاء ليتأمر فيه من اعتدى على حرمة رسول الله (ص) ، وهل أن الإسلام جاء ليتأمر عليه من صادر الحقوق الشرعية الاقتصادية والسياسية لآل بيت رسول الله (ص) ، فذلك الحديث هو في عداد الموضوعات حتى يبرر حكم العامة وتسلطهم على رقاب المسلمين وجعل قضية الإمامة لا تقتصر على آل البيت ( عليهم السلام ) .

    وأما الشروط التي أوردها الماوردي والتي عدها من ضمن الواجبات التي يجب أن تتوفر في الإمام فقد ناقض الماوردي نفسه بنفسه ، لان جميع تلك الشروط كانت إطلاقا لا تتوفر في جميع الخلفاء اللهم باستثناء الإمامين علي والحسن ( عليهما السلام ) ، فقد شهدنا في من تولى الخلافة من كان فيه عاهة معينة كفقدان السمع والبصر والنطق ، ومن كان غبيا وجبانا ومن كان فاقدا للمروءة ، ومن كان عاجزا عن إدارة شؤون الرعية ولا يفقه شيئا ونحو ذلك على مر العصور الإسلامية ، فتالله أي إمامة يتحدث عنها الماوردي .