: انتحار مدير شركة دايو الكورية العاملة في بناء ميناء الفاو الكبير مساء أمس في ظروف غامضة    
  • اخر الاخبار

    انا بطبعي متسرعة جداً..بقلم \ نهى الصراف \ العراق

    انا بطبعي متسرعة جداً..

    مرة أكلت ثلاث قطع من كبة الأرز المحشوة باللحم المفروم نيئة، قبل أن تتمكن أمي من قليها في الزيت، كان مذاقها أشبه بمذاق الثلج الراقد على عتبة منزل في شتاء بعيد.. متسرعة أيضاً فيما يتعلق بإطلاق التسميات على الأشياء؛ مثلاً ما علاقة الكبة بالثلج بعتبة المنزل ؟
    في الساعة الثالثة فجر اليوم، خرجت من الحلم بصعوبة بعد أن أيقظني صوت سيارة إسعاف كانت تعدو في الشارع المجاور مثل مجنون أو سكران.. أو مجنون وسكران، كيف عرفت بأنها كانت تعدو هكذا رغم أني ما زلت في سريري وهي في الشارع تحاول التقاط فيروس مرابط على جسد أحد المارة.
    بعد أن خرجت من الحلم، كانت يدي ما زالت تحمل العصا التي تحسست بها قطع السمك الذي وجدته مصادفة في مخزن قبو كنت أتجول داخله في ظلام الحلم.. عندما كشفت عن غطاء البرميل الكبير وجدت الثلج وقد استلقى بكسل على جوانب البرميل، ثم ظهرت السمكات؛ سمكة زبيدي هائلة الحجم لم أصادف مثلها في حياتي بينما كان يتراصف معها عدد غير معلوم من سمكات الزبيدي صغير الحجم الذي اعتدت أن أشاهده معروض في طشت كبير في سوق خمسين حوش بالبصرة، السيدة المسنة التي كانت ترتب السمك في الطشت كانت تلف عباءتها وسيكارتها بالطريقة ذاتها؛ بسرعة ومراوغة.. لكن السيدة لم تظهر في برميل الزبيدي الذي وجدته في الحلم.
    خرجت مسرعة لأبحث عن من يشاركني فرحة اكتشافي للبرميل.. لم أجد سوى والدي الذي غادرنا منذ أعوام في بلد بعيد، أشرت له بصمت أن يأتي ليرى ما وجدت في البرميل، بدا لي ساهماً غير مبال كما هو شأنه في حياته على الأرض، رفع رأسه على مضض ونظر سريعاً للسمكات داخل البرميل ثم سرعان ما ابتعد وواصل جولته في القبو الغريب، بسكون وهدوء كبيرين وهو ينوء تحت ثقل روبه المنزلي الشتوي ذو اللون البني الغامق.. كان هذا أيضاً رداءه الذي ظهر فيه داخل إطار صورته الأخيرة في ذاكرتي.
    أنا بطبعي متسرعة جداً، لم أفهم سبب تصرف والدي غير المبالي مع أنه كان يحب السمك كثيراً خاصة الزبيدي .. لو استمر الحلم قليلاً كنت سأصنع له مع السمك المقلي قدر أرز أحمر مغمور بمعجون الطماطم.. أو أرز محمّر بطعم الدبس فهو مناسب أكثر ليكسر حدة طعم السمك المالح، هكذا كانت تقول أمي.. لكنها رحلت أيضاً منذ سنوات طويلة من دون أن تعلمني الطريقة الصحيحة لطهي الأرز المحمّر.
    أنا بطبعي متسرعة، غادرت الحلم ولم أقفل باب القبو، خرجت مسرعة بعد أن سمعت صوت سيارة الاسعاف وهي تولول بعد أن هجمت عليها دزينة من فيروسات الكورونا الطازجة وخربشت طلائها الخارجي.
    الحلم كان قريباً قبل لحظات.. لكني تركته يسقط مني، وعندما استيقظت مفزوعة من صوت الاسعاف كان جسدي متكور إلى الجانب الأيمن ويدي تحت المخدة وقد فقدت الإحساس بها.. أنا بطبعي متسرعة، سحبت يدي من تحت المخدة بحركة مباغتة فشعرت برجة كهربائية، صرخت على أثرها صرخة متوسطة لم تنجح في إيقاظ أهل الدار.. لكن أبي كان منزعجاً في الحلم، وما زال يتجول داخل القبو وهو يرسل نظراته إلى الأرض وينحني بفعل ثقل الروب البني الغامق ..
    ما زلت في السرير اتقلب كسمكة.. وأنا انتظر أعصاب يدي كي تستعيد حيويتها وترتخي، كانت أطرافي باردة فقد تركتها في برميل الثلج أكثر من اللزوم.. لا ، لم أتركها في الحلم، حملتها معي إلى السرير بعد أن استيقظت، كانت دافئة في البداية قبل أن يتسلل البرد إلى قلبي وأنا انصت لسيارة الاسعاف.
    أنا بطبعي متسرعة، خيّل لي بأن سيارة الاسعاف كانت تبحث عن مريض في الشارع المجاور، حتى لمحت أنوارها البرّاقة في حلكة الليل وهي تقترب من منزلي.. هكذا .. توقفت أمام المدخل الخارجي، ترجل الممرض ومساعده وكانا على عجل، لم يطرقا الباب دخلوا عنوة فوجدوني ألملم دهشتي وأضمها مع أطرافي المرتجفة.. وأنا أتطلع في وجوههم بفزع كبير.. حمل كبيرهم في السن قيودا تشبه كلبجات الشرطة التي يقيدون بها المجرمين، استدرت بإرادتي، وبعد أن وضع المسعف القيود في يدي صار يسحبني بعنف عبر مدخل المنزل الداخلي، كنت أتعثر بخوفي وارتباكي وحين لمحت باب سيارة الاسعاف انهرت بالكامل، قال الرجل الكبير مخاطباً مساعده:
    "هير وي غو أكَين !" ؛ مثل كل مرة، كما توقعت !
    أنا بطبعي متسرعة، لم أستطع تمييز نبرة صوته فقد كانت أرض الشارع حيث ترنحت .. باردة وخشنة ،
    ثم اختفى كل شيء بسرعة.. استيقظت ثانية، لكني نسيت هذه المرة أيضاً أن أقفل باب الحلم جيداً..
    غداً سيعود السمك ورجال الاسعاف ومعهم فيروسات ناضجة جديدة، حتماً ، ليدخلوني عنوة إلى حلم جديد.