:    
  • اخر الاخبار

    ظهور السينما والتطور السريع



    بقلم\ رائد الهاشمي

    كان الإنسان الأول يرسم على جدران كهفه وما بقى لنا حتى الآن دليلا على قدم فن الرسم وبقية الفنون الجميلة , فالموسيقى التي بدأت قديما بمزمار الرعاة تطورت حتى وصلت حديثا إلى الموسيقى الالكترونية , والمسرح الذي بدأ بأقنعة الحيوان عند الفراعنة استمر حتى وصل إلى مسرح برتورلد بريخت وغيره , أما السينما فلا تدعى شيئا من هذه الأصالة التي بناها تتابع السنين ومرورالزمن  فسنها فقط أكثر من مائة عام بقليل . ومع ذلك فتطورها  كان سريعا إلى درجة مذهلة حقا , ففي هذه السنوات المائة بدأت السينما كلعبة أطفال ثم أصبحت فنا قويا له قواعده , ثم أضيف إليها الصوت فنطقت  ثم اللون  ثم البعد الثالث  ثم الفيستافيزيون والسينراما ثم التليفزيون , وأخيرا الثورة التكنولوجية الرقمية الهائلة. ولا ندرى ماذا سياتى به الغد  .
    منذ قرن كانت مهارة الحرفي هي السبيل الوحيد الذي يكفل تسجيل صورة شخص أو مكان أو شيء من أجل المتعة أو لاستخدامها كمرجع، أما بعدها فقد حل علم التصوير محل تلك المهارة الحرفية. ومنذ الأيام الأولى للمونتاج السينمائي وحتى الوقت الحاضر ومعظم حرفية الفيلم الروائي التي انبعثت من الأستوديوهات تبنى على حقيقة أن الكاميرا تستطيع أن تنقل الظواهر فوتوغرافيا على السليلوز الحساس ، وأنه يمكن من النيجاتيف عمل طبعة تعرض مكبرة على الشاشة بواسطة آلة العرض ، ونتيجة ذلك أن الاهتمام الذي وجه إلى الممثلين والمنظر كان أكثر مما وجه للمنهج الذي عن طريقه أمكن إظهاره على الشاشة. وهذا النظام الإنتاجي يتلاءم تماما مع التنظيم الإداري للأستوديو السينمائي الحديث ، فالحركات المناسبة للكاميرا والميكروفون تخلق أطوالا متعددة تتطلب مجرد التهذيب والجمع في تتابع صحيح لنحصل في النهاية على شيء له طبيعة الفيلم، وأحيانا تستخدم حيل الكاميرا أو الصوت البارعة لإبراز مثلا فكرة مرور زمن أو لإبراز تغير المنظر او تأثير معين. إن الأمر ليس بهذه السهولة ، ولكن الناحية الجوهرية هي أن الفيلم المنتج فيض من الحياة ويعبر عن المغزى بواسطة نقل التمثيل إلى الشاشة والكلمات إلى مكبر الصوت.
    أصبحت السينما حية خارج حدود الأستوديو هات ، ووجدت خلاصا مؤقتا في خدمة أهداف التعليم والإقناع . ووجدت ما ينعشها بعيدا عن الاستوديوهات التي تمنع تناول الواقع بطريقة خلاقة . ويعكس كل اتجاه في السينما السمات الاجتماعية والسياسية للمرحلة التي يظهر فيها ـ وهذه بدوره انعكاس للظروف الاقتصادية القائمة. ومنهج الفيلم السينمائي تعبير عن إحساس اجتماعي وتفكير فلسفي. ولهذا التطور السريع أسبابه العديدة منها  .
    أولا السينما جمعت واستغلت الفنون الأخرى التي تقدمتها مما اكسبها قوة دافعة عجيبة وجعلها تعتبر بحق محصلة لها.  
    وثانيا السينما تعتبر اصدق تعبير عن روح هذا العصر . فهي فن جماعي إذ لايمكن إنتاجها إلا عن طريق اشتراك مجموعة كبيرة من الفنانين و العاملين . ومن ناحية أخرى تعتبر فن شعبي , فالفيلم يطبع منه نسخ عديدة توزع في جميع أنحاء العالم فينتشر و يشاهده الملايين من الناس.
    ثالثا هي تسد حاجة الإنسان الحديث إلى التسلية في هذا العصر الشديد التعقيد ولو عن طريق ما تخلقه من أحلام وأوهام. وكذلك تعتبر السينما مصدرا تجاريا للشركات والمنتجين والفنانين عن طريق إنتاج الأفلام وتسويقها وبيعها لجميع أنحاء العالم .
    رابعا والنقطة الأكثر أهمية هي إن السينما تعتبر أخطر سلاح  فعال في الدعاية . فإذا حللنا مضمون أو محتوى أي فيلم  فسنجد أنه ليس مجرد تسلية أو تعليم أو ثقافة فقط بل هو دعاية أيضا . وقد اثبت علماء الاجتماع ذلك واعترفت به أبحاثهم وطفحت به كتب هذا العلم - علم اجتماع الفيلم - الذي أصبح له دارسون ومتخصصون والخطورة هنا  ليست مجرد تقليد المتفرج للمظاهر السطحية التي قد تبدو للبعض بريئة في مظهرها ولكنها تكمن في التطبع بالعادات الضارة والانحلال الخلقي , وهذا اخطر ما تحويه الأفلام ذات المظهر الساذج من دعايات سياسية خفية. أذن لا مناص من اعتبار كل فيلم سواء أكان طويلا أم قصيرا أنه للتسلية وللتعليم وللثقافة فقط بل يحتوي على دعاية من نوع ما .
       وكنتيجة مباشرة، فإن عجلة العمل في السينما ونظام التسويق، تطور سريعا جدا.