: انتحار مدير شركة دايو الكورية العاملة في بناء ميناء الفاو الكبير مساء أمس في ظروف غامضة    
  • اخر الاخبار

    فرصةٌ للغرق قصة للكاتب ماثيو بيسونيت ترجمتها للعربية : إسراء ميثاق الفرطوسي


    المدائن للانباء 

    عندما بدأتْ الشمسُ الساحرة بالإرتفاعِ فوق الأفق الشرقي بأشعتها المذهلة التي جعلتْ مياه المحيط القطبي الباردة تتلألأ كعيون صغيريّ؛ أدركتُ أنني كنتُ أسبح منذ أكثر من يومٍ ونصف. في الوقت الذي كنت أشعر فيه بالتعب، أحسست أنني على وشك الغرق. 

    الإسم الذي منحته لي أمي كان "سنو آيز"؛ كانتْ دُبَّةً تنحدر من سلالة طويلة من الدببة المعروفة بكونها سادة في النجاة، في حين أن هناك أصنافاً قليلة فقط من الحيوانات الأخرى التي تستطيع فعل ذلك. وحيث أن أبناء عمومتنا في أقصى الجنوب، مع معاطف من الفرو بألوان داكنة كثيرة، يتمتعون بالدفئ خلال فصل الصيف؛ إلا أن سلالتي لم تعرف سوى البرد، الجليد، والثلج. ما يميزنا هو فرائنا التي كانت بيضاء كالثلج. لقد كنا أكبر وأشرس المخلوقات في القطب الشمالي؛ لم يكن لنا أي ندٍ وكل الحيوانات كانت تخشانا. المخلوق الوحيد الذي كان يمكن أن يقف في وجهنا هو الفظ (فرس البحر)؛ لكني لم أواجه إلا القليل من حيوانات الفظ والتي كانت تخشاني لأني كنتُ ضخمةً جداً مع أسنانٍ حادة ومخالبٍ ثاقبة. لقد كنتُ أماً أيضاً؛ ومنذ أن ولِدَ صغيراي بدأت أشعر بالقلق الذي طالما رأيته في عينيّ أمي وبقيت أفكر فيه وأنا أكبر؛ كنت واثقة بأن عينيّ لم تكن مختلفة عن عينيّ أمي. كنت قلقة على ولديّ، ذلك القلق المبني على التفاني والحب لأنه بدوني طفلاي لن ينجوا لأسبوع. والآن أنا على وشك الغرق. 

    في الصباح السابق تركت صغيريّ في الوكر وتجولت خارجاً لكي أجد فريسة لإطعام نفسي وصغيريّ. نظرتُ إليهما بمحبة بينما كانا نائمين، يحضن بعضهم بعضاً في ذلك الوكر الذي كنتُ قد حفرته بمخالبي. كانا عالمي الخاص؛ لقد منحوني الشعور بالواجب، واجب حمايتهما بشراسة وتربيتهما حتى يصبحا قادرين على الدفاع عن انفسهم في يومٍ ما.

    مشيت عبر الدفق الجليدي، أنظر إلى إنعكاسي في مياه القطب الشمالي. بينما كنت أمشي، رأيت في عينيّ نفس ذلك القلق الذي رأيته في عينيّ أمي لكن سرعان ما توقف تفكيري في الماضي عندما سمعتُ حديثاً غريباً؛ كنت أعرف أنها لغة الوحش البشري.

    بعيداً عن حافة الشاطئ الجليدي، حيث العديد من الصور الظلية المُبهمة؛ أطياف سريالية تطارد غسق الصباح. كانوا يمشون على ساقين، ويحملون مخالب طويلة مزيفة، يُطلِقُ عليها الوحش البشري اسم الرماح. شعرتُ بالخوف عندما كشفَ شعاعٌ من ضوءِ الشمس أنهم كانوا يرتدون جلود الحيوانات؛ فراء وهمية سُرقت من دببٍ قطبية أخرى. 

    اللعنة على الوحش البشري، لقد كان متلهف للحصول على كل الأرض، ونحن الحيوانات كلنا نعرف أنه سيأتي يوم يسرق فيه الإنسان الأرض منّا، هؤلاء الوحوش البشرية جاءوا من قبيلة تسمي نفسها الإسكيمو. حين رأوني أدركت أن حياتي في خطر. 

    عندما يكون الوحش البشري وحيداً يكون ضعيفاً، ولكن عندما تكون أعدادهم كبيرة يصبحون غريماً مرعباً. كنت سأركض عائدة إلى وكري، لكني لن أقود الوحش البشري إلى صغيريّ؛ لذا غطستُ في الماء البارد. إنه لمن المضحك أن يحسب الوحش البشري نفسه قوياً. الماء الذي غطست فيه لم يجعلني حتى أشعر بالبرد، في حين أنه كان سيقتل اي وحش بشري في بضع دقائق.

    لقد سبحتُ إلى المحيط لأضيعهم، لكن عاصفة ثلجية بقت تعصف طوال اليوم فأفقدتني إحساسي بالإتجاه. توقفتْ العاصفة مع مجيء الليل؛ والآن كل ما أراه هو محيط لا نهاية له في كل إتجاه. الغيوم حجبت النجوم عني وبالتالي لم أستطع استخدامها لتوجيه نفسي. بقيتُ أسبحُ طوال الليل؛ وعندما حل الصباح كانت قوتي قد نفدت. 

    نظرت إلى الشمس المشرقة للحظة، أغمضتُ عينيّ وتوقفت عن السباحة لأنني لم أعد أستطيع الإستمرار. ثم شعرت بنفسي أغرق تحت مياه القطب الشمالي. كنت مستعدة للموت في الوقت الذي شعرت فيه أن الماء يملئ رئتي. في وسط ذعري؛ كنت أفكر فقط في صغيريّ؛ لم أكن حزينة على موتي، بل على موت صغيريّ. 

    لكن بعدها صاح صوتٌ ما في داخلي، كان صوت أمي، أسطع من ذكرى، وأكثر واقعية من فكرة. 

    "سنو آيز، أنا لم أربِ جبانة. أنا لم أربِ ضعيفة. لا تستسلمي. أنتِ أقرب مما تظنين." 

    ثم من مكانٍ ما بداخلي، وجدتُ القوة لكي أسبح. ومع جهد هائل، خرجت من ظلام أعماق المحيط القطبي، ساحبة رأسي من الماء، ثم سعلتُ لأخرِج كل الماء الذي بداخل رئتي. بعدها سبحتُ مرة أخرى عندما رأيت شعاع من ضوء الفجر سقط من السماء وأضاء شيئاً في المسافة. وبشكل غريزي، عرفت بأنه وكري. ثم سمعتُ صغيريّ يصرخان من أجل أمهم، يبدو أنهما خائفين. بالرغم من أني كنت مُنهكة، أسرعت لأراهما، ابني (آيس تالون) وابنتي (نايت فور) اللذان كانا يقفان على حافة الجليد وينظران الى ماء القطب الشمالي.

    صرخت: "سأكون في المنزل قريباً." 

    لابد أنهما سمعا صوتي لأن بكائهم قد توقف. عندما شعرت بأني على وشك أن يُغمى علي، حاولت الإسراع أكثر. لقد كانت لحظة رؤيتهما يقتربان مني هي أكثر لحظات حياتي سعادة وإمتنان. 

    وصلتُ إلى الجليد وسبحتُ بجسد منهك خارج الماء إلى أن أغمي علي.

    آخر ما شعرت به كان صغيريّ وهما يعانقونني. عندها علمت أن الأمور ستكون على ما يرام، وأن نسبي سيستمر.