: روسيا: وكالة إنترفاكس: روسيا أحبطت مخطط هجوم "إرهابي" في أحد مواقع شبكة الكهرباء في كالينينغراد    
  • اخر الاخبار

    القط الاسود ...قصة قصيرة من الادب الانكليزي ترجمتها للعربية الطالبة زبيدة عبدالله محمد

     


    القط الاسود 

    ترجمة : زبيدة عبدالله محمد 

    لست أتوقع منكم ، بل لست أطلب ان تصدقوا الوقائع التي سأسطرها هنا لقصة هي أغرب القصص وان كانت في الان عينة مألوفة للغاية. سوف أكون مجنوناً لو توقعت ان تصدقوا ذلك لان حواسي ذاتها ترفض ان تصدق ما شهدته ولمسته. غير انني لست مجنوناً _ومن المؤكد انني لا أحلم . واذ كنت ملاقياً حتفي غداً فلا بد لي من ان ازيح هذا العبء عن روحي .

    ما أرمي اليه هو ان ابسط امام العالم ، بوضوح ودقة ، وبلا اي تعليق ، سلسلة من الوقائع العادية جداً .انها الوقائع التي عصفت بي اهوالها _ واصلت تعذيبي_ ودمرتني. مع ذلك لن أحاول تفسيرها . واذ كنت لا اجد فيها غير الرعب فأنها لن تبدو للآخرين مرعبة بقدر ما ستبدو نوعاً من الخيال الغرائبي المعقد .قد يجيء في مقبل الايام المعيّ حصيف يبين لهُ تفكيرة ان هذا الكابوس مجرد أحداث عادية . وربما جاء المعيّْ آخر أكثر رصانة وارسخ منطقاً ، وتفكيرة أقل استعداداً للاثارة من تفكيري ، ليرى في الاحداث التي أعرضها بهلع مجرد تعاقب مألوف لأسباب طبيعية ونتائجها المنطقية .

    عُرفت منذ طفولتي بوداعتي ومزاجي الانساني الرقيق، حتى ان رقة قلبي كانت على درجة من الافراط جعلتني موضوع تندرّ بين زملائي . وقد تميزت بولع خاص بالحيوانات مما جعل ابويّ يعبران عن تدليلهما لي بأهدائهم انواعاً من الحيوانات المنزلية . مع هذهِ الحيوانات كنت امضي معظم اوقاتي .ولم أعرف سعادة تفوق سعادتي حين كنت اطعمها واداعبها .نمت هذهِ الطباع الغريبة مع نموي، وكانت بي في طور الرجولة اكبر منابع المتعة .الذين عرفوا مشاعر الولع .بكلب امين وذكي سوف يفهموني بسهولة ما اود قولة عن مدى البهجة المستمرة من العناية بحيوان أليف . ان في تعلق الحيوان بصاحبة تعلقاً ينكر الذات ويضحي بها ما يخترق قلب الانسان الذي هيأت لهُ الظروف ان يعاني من خسة الصداقة وضعف الوفاء عند الجنس البشري. 

    تزوجت في سن مبكرة، وقد اسعدني ان أجد في مزاج زوجتي ما لا يناقض مزاجي . واذ لاحظت ولعي بالحيوانات المنزلية لم تترك مناسبة تمر دون ان تقتني منها الاجناس الاكثر امتاعاً وايناساً . وهكذا تجمع لدينا طيور واسماك ذهبية وكلب اصيل وارانب وقرد صغير وقط .

    كان هذا القط كبير الحجم بشكل مميز جميل الشكل ، اسود اللون بتمامة ! وعلى قدر عجيب من الذكاء كانت زوجتي التي لا اثر للمعتقدات الخرافية في تفكيرها حين تتحدث عن ذكائة تشير الى الحكايات القديمة التي تعتبر القطط السود سحرة متنكرين . هذهِ الاشارات لا تعني انها كانت في يوم من الايام جادة حول هذهِ المسألة . اذكر هذهِ الان لسبب وحيد هو انهُ لم يرد الى ذهني مثل هذهِ اللحظة .

    كان بلوتو _وهو اسم القط _ حيواني المدلل وانيسي المفضل . اطعمة بنفسي ويلازمني حينما تحركت في البيت . بل كنت اجد صعوبة لمنعة من اللحاق بي في الشوارع .

    دامت صداقتنا على هذهِ الحال سنوات عديدة تبدل خلالها مزاجي وساء سلوكي بفعل الادمان على المسكرات_( اني احمر خجلاً إذ أعترف بذلك ) _ ويوماً بعد يوم تزايدت حدة مزاجي وشراستي ، واستمراري للهيجان . وتزايد استهتاري بمشاعر الآخرين . ولكم عانيت وتألمت بسبب التعابير القاسية التي رحت اوجهها الى زوجتي . حتى انني في النهاية لجأت الى العنف الجسدي في التعامل معها. وبالطبع فقد استشعرت حيواناتي هذا التغّير في مزاجي . ولم اكتف بإهمالها بل اسألت معاملتها . واذا كان قد بقي لبلوتو بعض الاعتبار مما حال دون اساءتي اليه ،فإنني لم استشعر اثماً في الاساءة الى الارانب او القرد ، او حتى الى الكلب ، كلما اقتربت مني مصادفة او بدافع عاطفي . غير ان مرضي قد تغلب عليَّ _وأي مرض كالمسكرات! _ ومع الايام حتى بلوتو ، الذي صار هرماً ، ومن ثم عنيداً نكداً _حتى بلوتو بدأ يعاني من نتائج مزاجي المعتل.

    ذات ليل عائداً الى البيت من البلدة التي كثر ترددي اليها وقد تعتعني السكر ، وخيَّل الي ان القط يتجنب حضوري ، فقبضت عليه ، واذ افزعته حركاتي العنيفة جرحني بأسنانه جرحاً طفيفاً فتملكني غضب الأبلسة . وبدأ انَّ روحي القديمة قد اندفعت على الفور طائرة من حسدي ، وارتعد كل عرق في هيكلي بفعل حقد شيطاني غذَّاه المخدّر . فتناولت من جيب سترتي مطواة فتحتها وقبضت على عنق الحيوان المسكين واقتلعت عامداً احدى عينية من محجرها ! اني احتقن ، احترق ، ارتعد حين اكتب تفاصيل هذهِ الفظاعة الجهنمية.

    لمَّا استعدت رشدي في الصباح _لمَّا نَّومت هياج الفسوق الذي شهده الليل _عانيت شعوراً هو مزيج من الرعب والندم بسبب الجريمة التي ارتكبتها ، غير ان ذلك كان في احسن الحالات شعوراً وملتبساً لم يبلغ في الاعماق . ومن جديد استحوذ عليَّ الإفراط في الشراب. وسرعان ما اغرقت الخمرة كل ذكرى لتلك الواقعة .

    في هذه الاثناء أخذ القط يتماثل للشفاء تدريجياً. صحيح أن تجويف العين الفارغ كان يشكل منظراً مخيفاً ، لكن لم يبد عليه انهُ يتألم . وعاد ينتقل في البيت كسابق عهده ، غير انهُ ، كما هو متوقع ، كان ينطلق وقد استبد به الذعر كلما اقتربت منهُ . كانت ما تزال لدي بقايا من القلب القديم بحيث ينتابني الحزن إزاء هذهٍ الكراهية الصارخة يبديها لي كائن أحبني ذات يوم . ولكن سرعان ما حل الانزعاج محل الحزن . واخيراً جاءت روح الانحراف لتدفعني الى السقوط الذي لا نهوض منهُ. هذه الروح لا توليها الفلسفة اي اعتبار. مع ذلك لست واثقاً .من وجود روحي في الحياة اكثر من ثقتي ان الانحراف واحد من النوازع البدئية في القلب البشري _واحد من الملكات او المشاعر الاصيلة التي توجة سلوك الانسان .من منا لم يضبط نفسة عشرات المرات وهو يقترف اثماً او حماقة لا سبب غير كون هذا العمل محرماً ؟ أليس لدينا ميل دائم ، حتى في احسن حالات وعينا  الى خرق ما يعرف بالقانون لمجرد علمنا بأنهُ قانون؟ 

    روح الانحراف هذهِ ، هي التي تحركت تدفعني الى السقوك النهائي. انها رغبة النفس الدفينة لمشاكسة ذاتها لتهشيم طبيعتها ذاتها _لاقتراف الاثم لوجة الاثم _ هذهِ الرغبة التي لا يسبر غورها هي التي حرضتني على مواصلة الاذى ضد الحيوان الاعزل واخيراً الاجهاز عليه . فذات صباح ، وعن سابق تصور وتصميم لففت حول عنقة انشوطة وعلقته بغصن شجرة _شنقته والدموع تتدفق من عيني ، وفي قلبي تضطرم أمرّ مشاعر الندم شنقته لعلمي انني بذلك اقترفت خطيئة _خطيئة مميته سوف تعرض روحي الخالدة للهلاك الابدي ، وتنزلها _ان كان امر كهذا معقولاً _حيث لا تبلغها رحمة ارحم الراحمين، والمنتقم الجبار .

    في الليلة التي وقع فيها هذا الفعل الشنيع ، استيقظت من النوم على صوت النيران . كان اللهب يلتهم ستائر سريري والبيت بكاملة يشتعل ولم ينج انا وزوجتي والخادم من الهلاك الا بصعوبة كبيرة . كان الدمار تاماً . ابتلعت النيران كل ما املك في هذه الدنيا، واستسلمت منذ ذلك للقنوط واليأس.

    لم يبلغ بي الضعف مبلغاً يجعلني أسعى لاقامة علاقة السبب والنتيجة بين الفظاعة التي ارتكبتها والكارثة التي حلت بي .ولكني اقدم سلسلة من الوقائع وآمل الا اترك اي حلقة مفقودة في هذا التسلسل . في اليوم الذي اعقب الحريق ذهبت ازور الانقاض .كانت الجدران جميعها قد تهاوت باستثناء جدار واحد . هذا الجدار الذي نجا بمفرده لم يكن سميكاً لانهُ جدار داخلي يفصل بين الحجرات ويقع في وسط البيت ، والية كان يستند سريري من جهة الرأس .وقد صمد طلاء هذا الجدار وتجصيصه امام فعل النيران _وهو امر عزوته الى كون التجصيص حديثاً. امام هذا الجدار كان يتجمهر حشد من الناس ، وبدا ان عدداً كبيراً منهم يتفحص جانباً مخصوصاً منه باهتمام شديد .فحركت فضولي تعابير تصدر عن هذا الحشد من نوع "عجيب !" "غريب!" دنوت ، لارى رسماً على الجدار الابيض كأنهُ حفر نافر يمثل قطاً عملاقاً . كان الحفر مدهشاً بدقته ووضوحه ، وبدا حبل يلتف حول عنق الحيوان .

    عندما وقع نظري لاول مرة على هذا الشبح _اذ لم استطع ان اعتبره اقل من ذلك _استبد بي اشد العجب وافظع الذعر . غير ان التفكير المحلل جاء ينقذني من ذلك . لقد كان القط ، على ما اذكر ، معلقاً في حديقة متاخمة للبيت ، فلما ارتفعت صيحات التحذير من النار غصت الحديقة فوراً بالناس _ولا بد ان شخصاً ما قد انتزعة من الشجرة وقذف به عبر النافذة الى غرفتي . وربما كان القصد من ذلك تنبيهي من النوم . ولا بد ان سقوط الجدران الاخرى قد ضغط ضحية وحشيتي على مادة الجص الحديث الطلاء ، اختلط كلس هذا الطلاء بالنشادر المتصاعد من الجثة وتفاعل به بتأثير النيران فأحدث الرسم النافر الذي رأيته .

    ومع انني قدمت هذا التفسير لإريح عقلي _وإن لم اكن قد فعلت ذلك لاريح ضميري _فإن المشهد الغريب الذي وصفته لم يتوقف عن التأثير في مخيلتي .وعلى مدى اشهر لم استطع ان اتخلص من هاجس القط ، خلال هذهِ الفترة عاودني شعوراً بدا لي انه الندم ، ولم يكن في الحقيقة كذلك . لم يكن اكثر من اسف على فقد حيوان ، وتفكير بالحصول على بديل من النوع نفسه والشكل نفسه ليحل محلة.

    في احدى الليالي ، فيما كنت جالساً ،شبه مخبول ، في وكر من اوكار العار اذ انني ادمنت الان ارتياد هذهِ الاماكن الموبوءة _جذب انتباهي فجأة شيء اسود فوق برميل ضخم من براميل الجن او شراب الروم ، البراميل التي تشكل قطع الاثاث الرئيسية في ذلك المكان . كنت طوال دقائق احدق بثبات في رأس البرميل ، وما سبَّب دهشتي هو انني لم اتبين للحال طبيعة الشيء الواقف فوقة . دنوت ولمستة بيدي ، كان قطاً اسود .قطاً كبيراً جداً في حجم بلوتو ويشبهه تماماً باستثناء شيء واحد . اذ لم تكن في اي مكان من جسم بلوتو شعرة بيضاء واحدة ، وكانت لهذا القط بقعة بيضاء غير واضحة الحدود تتوزع في منطقة الصدر بكاملها. 

    حالما لمسته نهض واخذ يخط بصوت مرتفع ويتمسح بيدي ، وبدا مسروراً باهتمامي له .

    واذن هذا هو بالضبط ماكنت ابحث عنه. للحال عرضت على صاحب البيت شراءه ، لكن هذا اجاب بأنه لا يملكة ولا يعرف شيئاً عنه _ ولم يره من قبل .

    واصلت مداعبتي له ، ولما تهيأت للذهاب ، اتخذ وضعية تبين انه يريد مرافقتي . فتركته بصحبتي ، وكنت بين الحين والاخر اتوقف واربت على ظهره وامسح رأسه. لما وصل الى البيت بدا اليفاً ولم يظهر عليه اي استغراب . وعلى الفور صار اثيراً لدى زوجتي .

    اما انا فسرعان ما وجدت المقت يتصاعد في اعماقي .وكان هذا عكس ما توقعت لم استطع ان افهم كيف تعلق القط بي ولا سبب هذا التعلق الواضح الذي اثار اشمئزازي وازعجني .واخذ الانزعاج والاشمئزاز يتزايدان شيئاً فشيئاً ويتحولان الى كراهية مريرة ، فأخذت اتجنب هذا الكائن ، كان احساس ما بالعار وذكرى فظاعتي السابقة يمسكان بي عن الحاق الاذى الجسدي به وامتنعت طوال اسابيع عن ضربه او معاملتة بعنف لكن تدريجياً وبتدرج متسارع _اخذت انظر اليه بكره لا يوصف وابتعد بصمت عن حضورة البغيض كما ابتعد عن لهاث مصاب بالطاعون.

    ما اكد كرهي لهذا الحيوان هو اكتشافي ، صبيحة اليوم التالي لوصولة انه مثل بلوتو، قد فقد احدى عينيه _غير ان هذا زاد من عطف زوجتي علية ، لانها كما ذكرت ، تملك قدراً عظيماً من المشاعر الانسانية التي كانت ذات يوم ملامحي المميزة ومنبعاً لاكثر المسرات براءة ونقاء.

    كان هيام القط بي يزداد بازدياد بغضي له. فكان يتبع خطواتي بثبات يصعب ايضاحة للقارئ . فحيثما جلست ، كان يجثم تحت مقعدي ، او يقفز الى ركبتي ويغمرني بمداعباتة المقززة. فإذا نهضت لامشي اندفع بين قدمي واوشك ان يوقعني او غرز مخالبه الطويله الحادة في ثيابي ليتسلق الى صدري . ومع انني كنت اتحرق في مناسبات كهذه لقتلة بضربة واحده ، فقد كنت امتنع عن ذلك بسبب من ذكري جريمتي السابقة الى حد ما ، لكن بصورة . اخص _ولاعترف بذلك حالاً _بسبب الرعب من هذا الحيوان .

    لم يكن هذا الرعب خوفاً من شر مادي مجسد _مع ذلك احار كيف احدده بغير ذلك . يخجلني ان اعترف _اجل ، حتى في زنزانة المجرمين هذه ، يكاد يخجلني الاعتراف _بأن الرعب والهلع اللذين اوقعهما في نفسي هذا الحيوان ازداد حدة بسبب من وهم لا يقبلة العقل . كانت زوجتي قد لفتت انتباهي ، اكثر من مرة ، الى طبيعة البقعة البيضاء على صدر القط ، والتي اشرت اليها سابقاً ، تلك التي تشكل الفارق الوحيد بين هذا الحيوان الغريب وذاك الذي قتلتة. ويذكر القارئ وصفي لهذه البقعة بأنها على الرغم من اتساعها ، لم تكن لها حدود واضحة ، غير انها ، شيئاً فشيئاً _وبتدرج يكاد لا يلحظ تدرج صارع عقلي لكي يدحضة ويعتبرة وهماً _ اكتسبت شكلاً محدداً بوضوح تام . صار لها الان شكل ارتعد لذكر اسمة _هذا الشكل هو ما جعلني اشمئز وارتعب ، واتمنى التخلص من الحيوان لو تجرأت _كان الان صورة لشيء بغيض _شيء مروع _هو المشنقة ! 

    اوه _أي آلة شنيعة جهنمية للفظاعة والجريمة _للنزع والموت !

    والآن لقد انحدرت الى درك يخط بي عن صفة الانسانية! كيف ينزل بي حيوان بهيم _قتلت مثيلة عن سابق تصميم _حيوان بهيم ينزل بي .انا ، الانسان المخلوق على صورة الله العظيم _ كل هذا الويل الذي لا يحتمل ! واسفاه! ما عدت  اعرف رحمة الراحة  لا في النهار ولا في الليل ! ففي النهار لم يكن ذلك البهيم ليفارقني لحظة واحدة ، وفي الليل كنت اهب من النوم مراراً يتملكني ذعر شديد لاجد لهاث ذلك الشيء فوق وجهي ، وثقل جسمه الضخم _ مثل كابوس متجسد لا اقوى على زحزحته _يجثم ابدياً فوق قلبي !

    وهكذا انهارت بقايا الخير الواهية في تحت وطأة هذا العذاب وصارت افكار الشر خدين روحي _ اشد الافكار حلكة وشيطانية .ازدادت مزاجيتي السوداوية حتى تحولت الى كراهية للاشياء كلها والجنس البشري بأسره. واخذت نوبات غضبي المفاجئة المتكررة التي لم اعد اتحكم بها واستسلمت لها كالاعمى ، اخذت تطال واسفاه زوجتي ، اعظم الصابرين على الآلام.

    رافقتني ذات يوم لقضاء بعض الاعمال المنزلية في قبو المبنى القديم حيث ارغمتنا الفاقة على السكنى . تبعني القط على الدرج وكاد يرميني ، فاستشاط غضبي الجنوني رفعت فأساً متناسياً ما كان من خوفي الصبياني الذي اوقفني حتى الان ، وسددت ضربة الى الحيوان كانت ستقضي عليه لو انها حيث تمنيت. غير ان يد زوجتي اوقفت هذه الضربة كان هذا التدخل بمثابة منخاس دفع بغضبي الى الهياج الشيطاني ، انتزعت يدي من قبضة زوجتي ودفنت الفأس في رأسها .فسقطت ميتة دون ان تصدر عنها نأمة.

    لما ارتكبت هذه الجريمة البشعة ، جلست على الفور أفكر في التخلص من الجثة ، عرفت أنني لا أستطيع إخراجها من البيت لا في الليل ولا في النهار دون أن أخاطر بتنبيه الجيران . مرت برأسي خطط عديدة ، فكرت بأن أقطع الجثة إربا ثم أتخلص منها بالحرق ، وفكرت في حفر قبر لها في أرض القبو . کما فكرت في إلقائها في بئر الحوش - وأن أحشرها في صندوق بضاعة وأستدعي حمالاً لأخذها من البيت . وأخيرا اهتديت إلى أفضل خطة للتخلص منها . قررت أن أبنيها في جدار القبو ، کما كان الرهبان في القرون الوسطى يبنون ضحاياهم في الجدران.

    كان القبو مناسبا لمثل هذه الغاية . فقد كان بناء جدرانه مخلخلا وقد تم توريق الجدران حديثا ملاط خشن حالت الرطوبة دون تصلبه ، وفوق ذلك كان في أحد الجدران تجويف بشكل المدخنة تم ردمه بحيث تستوي أجزاء الجدار ، وتأكد لي أن باستطاعتي انتزاع قطع الطوب من هذا التجويف وإدخال الجثة ، وبناء التجويف ليعود الجدار کما كان بحيث لا ترتاب العين في أي تغيير .ولم تخطئ ، حساباتي . استعنت بمخل لانتزاع قطع الطوب ، وأوقفت الجثة بتأنٍ لصق الجدار الداخلي ودعمتها لتحتفظ بوضع الوقوف ، فيما كنت أدقق لأعيد كل شيء إلى ما كان عليه ، كنت قد أحضرت الملاط والرمل والوبر ، فهیات الخليط بمنتهى الدقة والعناية بحيث لا مميز من الملاط السابق ، وأعدت كل قطعة طوب إلى مكانها . عندما أكملت العمل أحسست بالرضا عن النتيجة . لم يكن يبدو على الجدار أدنى أثر يدل على أنه قد لمس ، نظفت الأرض منتهى العناية ونظرت حولي منتصرا وقلت في نفسي : « لم يذهب جهدي سدى » .. كانت الخطوة الثانية هي البحث عن الحيوان الذي سبب لي هذه الفاجعة الرهيبة ، ذلك أنني قررت القضاء عليه ، لو عثرت عليه في تلك اللحظة لما كان هنالك من شك في أمر مصيره ؛ لكن يبدو أن الحيوان الذكي قد أدرك عنف غضبي فاختفى متجنباً رؤيتي وأنا في ذلك المزاج . - يستحيل عليَّ أن أصف أو أن أتخيل عمق الراحة والسكينة التي أتاحها لروحي غياب ذلك الحيوان . لم يعد للظهور تلك الليلة . وهكذا ، ولأول مرة منذ وصوله إلى البيت نمت بعمق وهدوء . 

    أجل ، نمت على الرغم من وزر الجريمة الرابض فوق روحي . 

    مر اليوم الثاني ثم الثالث ولم يظهر معذبي . ومن جديد تنفست بحرية . لقد أصيب الوحش بالذعر فنجا بنفسه نهائياً ! ولن يكون على أن أتحمله بعد الآن ! كانت سعادتي بذلك عظيمة ! ولم يؤرق مضجعي وزر الجريمة السوداء إلا لماماً . جرت بعض التحقيقات وقدمت أجوبة جاهزة . بل كانت هناك تحريات . غير أن شيئا ما لم يكتشف . وأدركت مستقبل سعادتي في أمان . 

    في اليوم الرابع بعد وقوع الجريمة جاءت فرقة من الشرطة إلى البيت بشكل لم أتوقعه وبدأت تحريات واستجوابات دقيقة . لكن بما أنني كنت مطمئناً إلى خفاء الجثة لم أشعر بأي حرج ، سالني ضباط الشرطة أن أرافقهم إلى القبو ، فلم ترتعد فيَّ عضلة واحدة . كان قلبي ينبض بهدوء كقلب بريء نائم ، رحت أذرع القبو جيئة وذهابا عاقداً ذراعي فوق صدري . اقتنع رجال الشرطة بنتائج بحثهم واستعدوا للذهاب . كانت النشوة في قلبي أقوى من أن أكتمها . كنت أتحرق لقول كلمة واحدة ، لفرط ما أطربني الانتصار ، ولكي أزيد يقينهم ببراءتي .

    أيها السادة » ، قلت أخيرا ، لما كان الفريق يصعد الدرج ، « يسرني أن أكون قد بددت شکوکكم . أتمنى لكم تمام الصحة ومزيدا من اللباقة . بالمناسبة ، أيها السادة ، هذا . هذا بيت مكين البناء » ( في رغبتي العارمة لقول شيء سهل ، لم أجد ما أتلفظ به ) - « إنه بيت مبني بشكل ممتاز . هذه الجدران . هل أنتم ذاهبون أيها السادة ؟ - هذه الجدران متماسكة تماما ، وهنا وبنوع من الزهو المتشنج ، طرقتُ طرقاً قوياً على الجدار بعصا كانت بيدي ، تماما في الموضع الذي أخفيت فيه زوجة قلبي .

    لكن ليحمني الله من مخالب إبليس الأبالسة ! لم تكد اهتزازات ضربتي تغرق في الصمت حتى جاوبني صوت من داخل القبر ! صرخة مكتومة متقطعة بدأت کبكاء طفل ، لكن سرعان ما أخذت تتعاظم وتتضخم لتغدو صرخة واحدة هائلة مديدة شاذة غريبة وغير آدمية بالمرة . غدت عواء . عویلا مجلجلا يطلقه مزيج من الرعب والظفر ، وكأنما تتصاعد من قيعان الجحيم تتعاون فيها حناجر الملعونين في سعير عذاباتهم والشياطين إذ يهللون للعنات .

    من الحماقة أن أحدثكم عن الأفكار التي تلاطمت في رأسي . ترنحت منهار وتهاویت مستنداً إلى الجدار المقابل ، للحظة واحدة ظل فريق الشرطة مسمرأ على الدرج بفعل الرعب والاستغراب . وفي اللحظة التالية كانت بضع عشرة ذراعا شديدة تهدم الجدار . أنهار قطعة واحدة . كانت الجثة قد تحللت إلى درجة كبيرة وغطاها الدم المتجمد ، وهي تنتصب واقفة أمام أعين المشاهدين وعلى رأسها يقف القط الأسود الكريه بفمه الأحمر المفتوح وعينه الوحيدة النارية ، القط الذي دفعتني أفعاله إلى الجريمة ثم أسلمني صوته الكاشف إلى حبل المشنقة . كنت قد بنيت، الجدار والقط داخل القبر.