: روسيا: وكالة إنترفاكس: روسيا أحبطت مخطط هجوم "إرهابي" في أحد مواقع شبكة الكهرباء في كالينينغراد    
  • اخر الاخبار

    الحرب قصة قصيرة للكاتب لويجي بيرانديللو ترجمتها للعربية الطالبة ابرارطالب عجمي

     


    الحرب ....

    ترجمة: ابرار طالب عجمي

    كان على المسافرين المغادرين لمحطة روما بقطار الليل السريع التوقف حتى مطلع الفجر في محطة فبرايانو الصغيرة، وتبديل القطار بآخر من القطارات المحلية الصغيرة التي تربط المسار الرئيس للقطارات بمدينة (سلمونا).

    وعند الفجر اندفعت امرأة بالغة الضخامة في ثوب حداد أسود تكاد تشبه صرة عديمة الشكل  لإحدى عربات الدرجة الثانية الممتلئة بالهواء الفاسد والدخان ، والتي قضى الليل بها خمسة من الركاب . تبع المرأة بعلها لاهثاً يأن . كان رجلاً ضعيفاً رقيق الجرم ضئيل الحجم ، له وجه أبيض شاحب اللون وعينان ضيقتان لامعتان . بدا عليه الخجل و الاضطراب.

    وبعد أن اتخذ – أخيراً - مقعده في العربة شكر في أدب رفاقه الجدد من الركاب الذين ساعدوا زوجته وأفسحوا لها مكاناً بينهم، ثم التفت إلي المرأة التي كانت تصلح من وضع ياقة معطفها، وسألها في رقة بالغة: "هل أنت بخير يا عزيزتي؟".

    وبدلاً عن أن تجيبه، قامت المرأة بجذب ياقة معطفها وغطت بها عينيها لتخفي وجهها.

    غمغم الرجل وعلي وجهه ابتسامة حزينة  : عالم بغيض.

    ثم شعر أن من واجبه أن يشرح لرفاقه المسافرين أن المرأة المسكينة جديرة بالرثاء لأن  الحرب اخذت منها وحيدها ابن العشرين ربيعاً. نذرا حياتهما مم اجله وهجرا دراهما في سلمونا ليتبعانه الى روما حيث كان يدرس . ثم أجازا له أن يتطوع في الجيش بشرط أن لا يذهب إلي الجبهة قبل ستة أشهر. والآن وعلى حين فجأة تسلما منه برقية يقول فيها إن عليه أن يسافر إلى الجبهة خلال ثلاثة أيام ويطلب إليهما أن يحضرا لوداعه.

    كانت المرأة ذات المعطف الضخم تتململ وتتأوه وتزمجر وتئن أحيانا كحيوان بري وهي ترى أن تفسيرات بعلها لرفاق الرحلة لم تحرك فيهم شعرة إحساس بالتعاطف . الذين كانوا في الأغلب يعانون من محنة مشابهة. قال احدهم وهو ينصت للحديث باهتمام ملحوظ أكثر من غيره :

    " ينبغي ان تحمدا الله على ان ابنكما لم يغادر لجبهة القتال إلا الآن. لقد أرسل ابني للجبهة منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب. لقد عاد للدار مرتين وهو مصاب بجروح غائرة، ولم يمنعهم ذلك من إرساله مرة أخري للجبهة."

    وقال مسافر آخر: وماذا عني؟ إن لي ابنين وثلاثة أبناء أخوة في الجبهة

    غامر الزوج برد مقتضب جاء فيه: "ربما! ولكن في حالتنا فإن هذا الولد هو ابننا الوحيد".

    ـ وما الفرق في ذلك؟ إنك قد تفسد ابنك الوحيد بالمبالغة في الاهتمام به. ولكن ليس بإمكانك أن تحبه أكثر من أبنائك الآخرين لو كان لك أبناء. فالحب الذي يغدقه الأب علي أبنائه ليس مثل رغيف من الخبر يقسمه الى  قطع يوزعها علي الأولاد بالتساوي. يعطي الأب حبه لكل فرد من ابنائه دون تميز ، سواء كانوا واحداً أو عشرة .واذ كنت اتعذب الآن على ولديّ الاثنين فأنا لا اتعذب بمقدار النصف لكل منهما ، بل على نحو مضاعف .

    قال الزوج: هذا صحيح.. صحيح.. ولكن لنفترض (وطبعاً نأمل جميعاً أن لا يحدث ذلك لك) أن لأب ولدين في الجبهة وفقد واحداً منهما فإنه يبقى له واحد يعزيه.. بينما..

    تدخل الرجل الآخر بحدة : ابن يبقى ليواسي اباه ولكن أيضاً يبقى له ابن على قيد الحياة بعد وفاته. بينما في حالة الأب الذي له ابن واحد، فإنه إذا مات هذا الابن فسيموت الأب أيضا ويضع حدأً لهذه المأساة. أي الوضعين أسوأ؟ ألا ترى أن حالي سيكون أسوأ من حالك؟"

    قاطعهما راكب آخر بدين أحمر الوجه ذو عينين بلون الدم : هذا هراء ! كان الرجل يلهث . وبدا أنه كان يتطاير من عينيه الجاحظتين عنف داخلي قوي لا يستطيع جسمه الضعيف ان يحتويه.  وأضاف وهو يحاول إن يغطي فمه بيده ليخفي السنّين الإمامين المفقودين : هراء ! هل ننجب ابناءنا من اجل منفعتنا ؟

    نظر اليه الركاب الآخرون في أسى. وتنهد من ارسل ابنه للجبهة منذ اليوم الاول للحرب وقال : " انك محق ابنائنا ليسوا من حقنا ، بل ملك الوطن .."

    أجاب المسافر البدين: أفاً! هل نفكر في الوطن عندما ننجب أبناءنا؟ يولد أبناؤنا لأن.. حسناً.. لأنهم يجب أن يولدوا. إنهم امتداد لحياتنا ، هذه هي الحقيقة. نحن ننتمي إليهم. وهم لا ينتمون إلينا قط. وعندما يبلغون العشرين نجد أنهم يشبهوننا عندما كنا في مثل سنهم. نحن أيضاً كان لنا آباء وأمهات، ولكن كان ثمة أشياء أخرى كثيرة.. أيضاً.. الفتيات والسجائر والأوهام والعلاقات الجديدة.. والوطن طبعاً الذي كنا سنستجيب لندائه  ـ عندما كنا في العشرين ـ حتى وان عارضنا الآباء والأمهات. والآن في سننا هذا لا تزال ارواحنا تتقد بحب الوطن . بل إنه أقوي من حبنا لأبنائنا. هل هناك من احد   بيننا هنا لا يتمنى أن يحل محل ابنه في  الجبهة لو أنه استطاع الى ذلك سبيلا ؟

    واصل الرجل البدين كلامه قائلاً : لماذا أذن لا نتفهم مشاعر ابناءنا عندما يبلغون العشرين من اعمارهم ؟ أليس من الطبيعي أنه في سنهم يجب ان يكون حبهم لوطنهم  ( وانا اتحدث هنا عن الاولاد الصالحيين ) اعظم من حبهم لنا ؟ أليس من الطبيعي ان يكون الامر كذلك . فهم في آخر المطاف ينظرون الينا كعجزة لا يقدرون على الحركة ، ويجب عليهم البقاء في الدار ؟ اذا كان الوطن حاجة طبيعية مثل الخبز الذي يجب ان يأكله كل فرد منا حتى لا يموت من الجوع ، فإنه من الواجب على بعضنا على الاقل ان يذهب للدفاع عنه وحمايته . يذهب اولادنا في سن الشعرين  ولا يودون رؤية دموعنا، إذ أنهم إن ماتوا فسيموتون وهم في غاية الفخر والجلال والسعادة (أنا أتحدث هنا بالطبع عن الأبناء الصالحين) بعث إلي برسالة قبل أن يموت يقول فيها إنه يموت راضياً لأنه ينهي حياته بأفضل طريقة كان يمكن أن يتمناها. ولهذا السبب ـ كما ترون ـ لا ألبس ثياب الحداد. هز معطفه الرمادي الخفيف ليؤكد خلوه من أي مظهر للحداد، وكانت شفته حول سنيه  المكسورتين مشققة ترتعش، وكانت عيناه الدامعتان جامدتين لا حراك فيهما. رغم ذلك أخرج ضحكة صغيرة هي أشبه بالبكاء.

    وافقه الجميع بالقول: "هو كذلك...هو كذلك".

    كانت المرأة السمينة التي غطت وجهها بمعطفها قد انتبذت لها ركناً قصيّاً في العربة جلست فيه وظلت تسمع ما يقوله بقية الركاب وهى ساهمة شاردة. خلال الشهور الثلاثة الماضية كانت تحاول دون جدوى البحث عن كلمات تواسي بها نفسها في حزنها العميق وهي ترسل ولدها لحياة خطرة وموت محتمل. بيد أنها لم تجد في كل ما سمعته ما يشفي صدرها. وازداد حزنها وهي ترى أنه لا أحد يشاركها مشاعر حزنها العميق. أما الآن فإن كلمات المسافر أدهشتها. خطر لها فجأة أن الآخرين لم يكونوا مخطئين ولم يعجزوا عن فهمها، بل أنها هي التي قصّرت عن أن ترتفع لمستوى الآباء والأمهات الذين وطّنوا أنفسهم – دون بكاء أو التياع- ليس فقط علي قبول رحيل أبنائهم، بل علي موتهم أيضا.

    رفعت رأسها وأصاخت السمع باهتمام كبير إلى التفصيلات التي كان الرجل يذكرها لرفقاء رحلته عن سقوط ابنه كبطل من أجل مليكه ووطنه سعيداً غير نادم. بدا لها أنها عثرت صدفة على عالم لم تك تحلم به من قبل...عالم كان مجهولاً حتى تلك اللحظة بالنسبة لها. سعدت بسماع الآخرين يهنئون ذلك الأب الشجاع الذي استطاع برزانة ووقار أن يتحدث عن مقتل ابنه .وفجأة، كما لو أنها لم تسمع شيئاً مما قيل، التفتت إلي الرجل العجوز وسألته:

    ـ إذن هل مات ابنك حقا؟

    حدقت كل العيون فيها. وظلت عينا الرجل العجوز الرماديتان الجاحظتان الدامعتان مسمرتين تحدقان في وجهها. حاول أن يخرج بضع كلمات ليجيبها بيد أن الكلمات خذلته. ظل محدقاً في وجهها وكأن سؤال المرأة السخيف قد أكد له وللمرة الأولي أن ابنه بالفعل قد مات... مات ولن يراه أبداً أبداً. تشنج وجهه وتغضن. ثم انتزع بسرعة منديلاً من جيبه وراح ينتحب نحيباً يمزق نياط القلب ولا سبيل إلى كبحه. وراح الآخرون ينظرون في ذهول.


     

     

    The passengers who had left Rome by the night express had had to stop until dawn at the small station of Fabriano in order to continue their journey by the small old-fashioned local joining the main line with Sulmona.

    At dawn, in a stuffy and smoky second-class carriage in which five people had already spent the night, a bulky woman in deep mourning was hosted in-almost like a shapeless bundle. Behind her-puffing and moaning, followed her husbanda tiny man; thin and weakly, his face death-white, his eyes small and bright and looking shy and uneasy.

     

     Having at last taken a seat he politely thanked the passengers who had helped his wife and who had made room for her; then he turned round to the woman trying to pull down the collar of her coat and politely inquired:

     "Are you all right, dear?"

    The wife, instead of answering, pulled up her collar again to her eyes, so as to hide her face.

    "Nasty world," muttered the husband with a sad smile.

    And he felt it his duty to explain to his traveling companions that the poor woman was to be pitied for the war was taking away from her only son, a boy of twenty to whom both had devoted their entire life, even breaking up their home at Sulmona to follow him to Rome, where he had to go as a student, then allowing him to volunteer for war with an assurance, however, that at least six months he would not be sent to the front and now, all of a sudden, receiving a wire saying that he was due to leave in three days' time and asking them to go and see him off.

    The woman under the big coat was twisting and wriggling, at times growling like a wild animal, feeling certain that all those explanations would not have aroused even a shadow of sympathy from those people who-most likely-were in the same plight as herself. One of them, who had been listening with particular attention, said:

     "You should thank God that your son is only leaving now for the front. Mine has been sent there the first day of the war. He has already come back twice wounded and been sent back again to the front.

    " "What about me? I have two sons and three nephews at the front," said another passenger.

     "Maybe, but in our case it is our only son," ventured the husband.

     "What difference can it make? You may spoil your only son by excessive attentions, but you cannot love him more than you would all your other children if you had any. Parental love is not like bread that can be broken to pieces and split amongst the children in equal shares. A father gives all his love to each one of his children without discrimination, whether it be one or ten, and if I am suffering now for my two sons, I am not suffering half for each of them but double.

    " "True...true.." sighed the embarrassed husband, "but suppose (of course we all hope it will never be your case) a father has two sons at the front and he loses one of them, there is still one left to console him. While..."

     "Yes," answered the other, getting cross, "a son left to console him but also a son left for whom he must survive, while in the case of the father of an only son if the son dies the father can die too and put an end to his distress. Which of the two positions is worse? Don't you see how my case would be worse than yours?"

    "Nonsense," interrupted another traveler, a fat, red-faced man with bloodshot eyes of the palest gray.

    He was panting. From his bulging eyes seemed to spurt inner violence of an uncontrolled vitality which his weakened body could hardly contain.

     "Nonsense, "he repeated, trying to cover his mouth with his hand so as to hide the two missing front teeth. "Nonsense. Do we give life to our own children for our own benefit?

    " The other travelers stared at him in distress. The one who had had his son at the front since the first day of the war sighed: "You are right. Our children do not belong to us, they belong to the country..."

     "Bosh," retorted the fat traveler. "Do we think of the country when we give life to our children? Our sons are born because...well, because they must be born and when they come to life they take our own life with them. This is the truth. We belong to them but they never belong to us. And when they reach twenty they are exactly what we were at their age. We too had a father and mother, but there were so many other things as well. Girls, cigarettes, illusions, new ties...and the Country, of course, whose call we would have answered-when we were twenty-even if father and mother had said no. Now, at our age, the love of our Country is still great, of course, but stronger than it is the love of our children. Is there any one of us here who wouldn't gladly take his son's place at the front if he could?"

    There was a silence all round, everybody nodding as to approve.

    "Why then," continued the fat man, "should we consider the feelings of our children when they are twenty? Isn't it natural that at their age they should consider the love for their Country (I am speaking of decent boys, of course) even greater than the love for us? Isn't it natural that it should be so, as after all they must look upon us as upon old boys who cannot move any more and must sit at home? If Country is a natural necessity like bread of which each of us must eat in order not to die of hunger, somebody must go to defend it. And our sons go, when they are twenty, and they don't want tears, because if they die, they die inflamed and happy (I am speaking, of course, of decent boys). Now, if one dies young and happy, without having the ugly sides of life, the boredom of it, the pettiness, the bitterness of disillusion. What more can we ask for him? Everyone should stop crying; everyone should laugh, as I do. Or at least thank God-as I do-because my son, before dying, sent me a message saying that he was dying satisfied at having ended his life in the best way he could have wished. That is why, as you see, I do not even wear mourning."

    He shook his light fawn coat as to show it; his livid lip over his missing teeth was trembling. his eyes were watery and motionless, and soon after he ended with a shrill laugh which might well have been a sob.

    "Quite so...quite so..." agreed the others.

     The woman who, bundled in a corner under her coat, had been sitting and listening had-for the last three months-tried to find in the words of her husband and her friends something to console her in her deep sorrow, something that might show her how a mother should resign herself to send her son not even to death but to a probable danger of life. Yet not word had she found amongst the many that had been said...and her grief had been greater in seeing that nobody-as she thought-could share her feelings.

     But now the words of the traveler amazed and almost stunned her. She suddenly realized that it wasn't the others who were wrong and could not understand her but herself who could not rise up to the same height of those fathers and mothers willing to resign themselves, without crying, not only to the departure of their sons but even to their death.

    She lifted her head, she bent over from her corner trying to listen with great attention to the details which the fat man was giving to his companions about the way his son had fallen as a hero, for his King and his Country, happy and without regrets. It seemed to her that she had stumbled into a world she had never dreamt of, a world so far unknown to her, and she was so pleased to hear everyone joining in congratulating that brave father who could so stoically speak of his child's death.

     Then suddenly, just as if she had heard nothing of what had been said and almost as if waking up from a dream, she turned to the old man, asking him:

     "Then..is your son really dead?"

    Everyone stared at her. The old man, too, turned to look at her, fixing his great, bulging, horribly watery light gray eyes, deep in her face. For some time he tried to answer, but words failed him. He looked and looked at her, almost as if only then-at that silly, incongruous question-he had suddenly realized at last that his son was really dead--gone for ever-for ever. His face contracted, became horribly distorted, then he snatched in haste a handkerechief from his pocket and, to the amazement of everyone, broke into harrowing, heart-breaking,. uncontrollable sobs